يحلل جوزيف جيه شاتس التحولات العميقة التي أصابت علاقة الولايات المتحدة بالطاقة والسياسة الخارجية، موضحًا كيف أعادت حرب إيران خلط الأوراق، ونسفت فكرة “الاستقلال النفطي” التي طالما روّج لها الساسة الأمريكيون.


تنشر منصة “بوليتيكو” هذا التحليل الذي يكشف عودة ملف الطاقة إلى قلب الحسابات الجيوسياسية، بعد سنوات ظن فيها صناع القرار أن وفرة الإنتاج المحلي تحررهم من قيود الشرق الأوسط.


عودة الطاقة إلى قلب السياسة

 


تنهي تداعيات حرب إيران مرحلة طويلة اعتقد خلالها القادة الأمريكيون أن الطفرة النفطية المحلية تمنحهم هامشًا أوسع للتحرك دون القلق من صدمات الطاقة. دفعت زيادة إنتاج النفط والغاز، خاصة بفضل النفط الصخري، واشنطن إلى تقليل اعتمادها على الخارج، ما خفف من حساسية قراراتها العسكرية في المنطقة.


لكن أعادت الحرب ربط الطاقة بالسياسة الخارجية بشكل مفاجئ. كشف التصعيد العسكري، إلى جانب تحركات واشنطن في فنزويلا، أن أمن الطاقة لا يزال مرتبطًا بالتوترات الجيوسياسية. بدأ قادة شركات الطاقة يشعرون بقلق متزايد، بعدما وجدوا أنفسهم مجددًا أمام مخاطر لم تكن في الحسبان.


وهم الاستقلال النفطي

 


روّجت الإدارات الأمريكية المتعاقبة لفكرة أن طفرة الإنتاج المحلي ستنهي اعتماد البلاد على نفط الخارج، وتحررها من التورط العسكري في الخليج. أدت وفرة المعروض العالمي إلى تقليل تأثير ارتفاع الأسعار على الولايات المتحدة مقارنة بآسيا وأوروبا، ما شجّع إدارة ترامب على النظر إلى المواجهة مع إيران باعتبارها منخفضة المخاطر اقتصاديًا.


لكن الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران وردّ طهران كشفت أن اضطرابات الخليج لا تزال تهز أسواق الطاقة العالمية. أشعلت الأحداث أزمة طاقة عالمية، وارتفعت الأسعار بشكل انعكس داخل الولايات المتحدة نفسها، بسبب طبيعة صناعة التكرير التي تربط السوق المحلي بالعالمي.


قدمت الأسعار المرتفعة أرباحًا لشركات النفط، لكنها أدخلت استثماراتها في حالة من عدم اليقين. ناقش التنفيذيون هذه المخاوف خلال مؤتمر “سيرا ويك” في هيوستن، حيث عاد الحديث عن مرافقة ناقلات النفط عسكريًا، كما حدث في ثمانينيات القرن الماضي.


مصالح الشركات وضغوط الجغرافيا السياسية

 


أظهرت شركات النفط والغاز اهتمامًا متزايدًا بمخرجات الصراع، بل عبّر بعض قادتها صراحة عن رغبتهم في حسم المواجهة مع إيران. رأى مسؤولون في معهد البترول الأمريكي أن ترك طهران قادرة على تهديد مضيق هرمز يمثل خطرًا دائمًا على تدفق الطاقة.


ترتبط صناعة النفط تاريخيًا بالسياسة الخارجية الأمريكية، منذ اتفاقيات الحماية مقابل النفط في عهد فرانكلين روزفلت، مرورًا بعقيدة كارتر التي ربطت أمن الخليج بالأمن القومي الأمريكي، وصولًا إلى الحروب التي هدفت جزئيًا إلى ضمان السيطرة على الموارد.


رغم محاولات التحول نحو الطاقة المتجددة في السنوات الأخيرة، ظل النفط عنصرًا أساسيًا. ساعدت صادرات الغاز الأمريكية أوروبا على مواجهة تداعيات حرب أوكرانيا، لكن لم تُلغِ هذه الديناميات الاعتماد المتبادل بين الطاقة والسياسة.


واقع جديد من عدم اليقين

 


توضح التطورات الأخيرة أن وفرة الطاقة غيّرت الحسابات لكنها لم تُنهِ أهمية الملف. تعود الطاقة اليوم كأداة ضغط وهدف استراتيجي في آن واحد، خاصة مع تحركات واشنطن في إيران وفنزويلا وكوبا.


تتسم سياسات إدارة ترامب تجاه الطاقة بالتقلب، إذ تراجعت عن قواعد بيئية داخلية، بينما اتخذت قرارات خارجية أربكت الشركات. لم تُقنع دعوات الاستثمار في فنزويلا كبار التنفيذيين، الذين رأوا البيئة هناك غير مناسبة حاليًا.


في الوقت نفسه، بدأت شركات النفط تعود للبحث عن فرص خارجية مع تراجع زخم الإنتاج المحلي، متجهة نحو الشرق الأوسط ومناطق أخرى. لكن ارتفاع المخاطر الجيوسياسية في هذه المناطق يضيف عبئًا جديدًا على قراراتها الاستثمارية.


يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت واشنطن ستتخلى عن تأمين مضيق هرمز أو ستتدخل لحمايته عسكريًا. لكن الحقيقة الأوضح تكشف أن الولايات المتحدة، رغم قوتها الإنتاجية، لا تعيش حالة “هيمنة طاقوية” مطلقة كما يبدو.


في عالم لا يزال النفط والغاز يحكمان إيقاعه، تظل الجغرافيا السياسية قادرة على قلب المعادلات، وإعادة فرض قيودها على أكبر القوى الاقتصادية.

 

https://www.politico.com/news/magazine/2026/04/03/trump-hormuz-oil-iran-war-00857212